
المصفوفة الثقافية والإبداع الفني: من الممارسة الكلاسيكية للفن إلى عبر التخصصية
في ميشيل كازناف وبساراب نيكولسكو (تقديم)، L'Homme, la science et la nature : regards transdisciplinaires، إكس أون بروفانس، Le Mail، سلسلة «Science et conscience»، 1994، ص. 232-264.
انظر: السبائك ذات ذاكرة الشكل، الفن الفضائي، العجلة السماوية الكبرى، هرمافروديت، رسائل البشر إلى الكون، طوطم المستقبل
ص. 232
جان مارك فيليب (فرنسا)، أستاذ في المركز الأوروبي للثقافة التقنية (CETECH)، جامعة باريس دوفين.
مقدمة
في الصفحات التالية، سيجد القارئ أولًا وصفًا للمصفوفة الثقافية الخاصة بمجتمعاتنا التقنية الثقافية الغنية اليوم. وستُتناول فيها مسألة اقتصاد الإبداع الفني. وبعد هذه النظرة الأولى التي ترصد «الوضع الراهن»، سيُقدَّم شاهدٌ على تساؤل فنانٍ انشغل بمدى ملاءمة وظيفته بوصفه فنانًا لشروط إنتاج فنه كما كانت تُعرض عليه في هذه المصفوفة وفي تقاليدها. ثم سيُبيَّن كيف يمكن لمفاهيم فنية وُلدت من عبر التخصصية أن تغيّر طبيعة الابتكار الفني وأن تدفع تعريفات «العمل الفني» إلى أبعد. وستُوصف أربعة أمثلة من المفاهيم، ولا سيما مفهوم «Royalties/Jardin/Terre»، وهو مفهوم من شأنه أن يتيح للفنان أن يعود إلى التدخل في مدينته، لا لأنه يريد ذلك بأي ثمن، بل لأنه يشعر بضرورة إعادة بعض التوازنات التي أخلّت بها فعاليةٌ مذهلة للعلوم والتقنيات، في أوج تضخّمها الأُسّي، في حين لم يأتِ أي ثقل موازن نابع من الحساسية الفنية ليعيد التوازن.
ص. 233
إبداع فني لا ينفصل عن مصفوفته الثقافية — نظرة أولى إلى هذه المصفوفة
يصعب فصل الشكل الذي يتخذه الإبداع الفني عن المصفوفة الثقافية الحاملة له. فهذه المصفوفة يمكن أن تُعَدّ بحق التربةَ المغذّية والمُطلِقة، التي تقرّر بذور كل إبداع، والتي تحتوي أيضًا على الخمائر النشطة التي ستتيح لمفهوم فني جنيني ناشئ أن يجد، أو لا يجد، الوسائل — بكل معاني الكلمة — لتجسيده.
فلو أردنا إذن أن نحدد خصوصيات العصر — فيما يتعلق بالمجتمعات الصناعية الحديثة الغنية مثل مجتمعنا — لرأينا أن خصوصيتها ذاتها تنبع مباشرة من التراكم الأُسّي للمعارف ذات الأصل العلمي أولًا، ومن التسارع الأُسّي للخبرات التكنولوجية ثانيًا.
والواقع أن هذين العاملين، إذا اقترنا بمجتمع اقتصاد السوق والمنافسة الحرة المنفلتة، يتبيّن أنهما ذوا فعالية خصبة على نحو خاص في الابتكار بمعناه الواسع، وفي عمليات تطوير الخدمات أو المنتجات واستنساخها وتسويقها، على تنوعها وجِدّتها وأدائها العالي وقدرتها على الاستفزاز… منتجات وخدمات تُغري وتُطلق رغبات جامحة في التملّك وسط فوران استهلاكي متكاثر، إذا حكمنا بأرقام التجارة العالمية المتعلقة بها.
وينتج عن هذا الواقع تسارعٌ في تطور بيئتنا الثقافية والحركية والمادية وتحوّلها لا نظير له، لم يعرفه أي مجتمع بشري في أي عصر حتى يومنا هذا ولم يُحدثه.
وإذا كان الإيقاع السريع على نحو خاص لتطور بيئتنا يستتبع عددًا من النتائج، فإن طبيعة هذا التطور تستتبع أيضًا ص. 234 نتائج أخرى كثيرة آثارها أعمق وأخفى على نحو جذري:
— فمن إيقاع هذا التطور تنبع مثلًا ضرورة أن يجد كل واحد منا وسائل التكيّف والحفاظ على «الصلة» بهذه المصفوفة الثقافية عبر تأقلم سريع مع ابتكاراتها وتغيّراتها (المفاهيمية والشكلية)، وإلا فقد عناصر اللغة أو الممارسات المشتركة التي تتيح لكل فرد الحفاظ على قدرته على الحوار مع معاصريه.
— ومن طبيعة تطور هذه البيئة، وهذا أبلغ دلالة، يتوقف على وجه الخصوص انزياحُ التمثّل الذي يمكننا، والذي سيتعيّن علينا، أن نكوّنه عن «العالم»، عن هذا العالم الذي يحيط بنا، هذا العالم ذي الوفرة الفريدة الذي نعيش فيه، والذي كان بوسعنا ألا نكتفي بمساكنته ولا بمسايرته، بل أن نحاول أن نزدهر فيه.
ومن جهة أخرى — وهذه سابقة أخرى في التاريخ الفردي للبشر — فإن هذا التمثّل، الأساسي والجوهري، الواعي أو اللاواعي، سيتعيّن على كل فرد أن يعيد ضبطه شخصيًا مرات عدة على امتداد حياته. وذلك بقدر ما ينبع هذا التمثّل من ظهور عناصر معرفية غير مسبوقة في بيئتنا المباشرة، وتجارب كاشفة، وسلوكيات يومية جديدة، تُدخَل خفيةً أو صراحةً في فضائنا اليومي وفي حركاتنا المعتادة داخل مصفوفتنا الثقافية نفسها.
والواقع أننا نلاحظ، منذ أقل من قرن، أن دورية ظهور المعلومات «الدالّة» صارت أقصر من مدة الجيل البشري. فيمكن أن نلاحظ مثلًا أن عددًا من عناصر المعلومات والظواهر ذات الأهمية القصوى لم تعد تظهر بمعدل غاليليو واحد أو نيوتن واحد في القرن، بل على العكس تمامًا، صار ظهور الوقائع المذهلة «الأساسية» وتصادمها يتكرر الآن كل خمسين عامًا، وكل عشرين، وكل عشرة أعوام، وذلك في دينامية تزداد سرعة: قبل 50 عامًا علّمتنا القنبلة النووية أن البشرية ص. 235 بأسرها صارت من الآن فصاعدًا فانية، وأنها قد تفنى بيد الإنسان؛ ومنذ 40 عامًا تجول الصور الملوّنة سطح الكرة الأرضية بسرعة الضوء في الزمن الحقيقي؛ وقبل ثلاثين عامًا وصلتنا أولى صور كوكبنا ملتقطةً من الفضاء *؛ ومنذ 10 أعوام صارت الاتصالات المعلوماتية، والفاكس، وتداول النقود بسرعة الضوء، جزءًا من ممارساتنا ودخلت في أفعالنا وحركاتنا اليومية. واليوم تتعدد التلاعبات الجينية وتتقاطع أسئلة الأخلاقيات والأخلاق، إلخ.
فضلًا عن ذلك، فإن نتائج هذا التسارع الأُسّي المزدوج، العلمي والتكنولوجي، تجرّنا — ولم يعد الأمر يقتصر علينا نحن المجتمعات الصناعية الغنية، بل يشمل العالم بأسره — نحو أوضاع اقتصادية واجتماعية غير متوقعة من حيث المبدأ، ومن ثم غير قابلة للإدارة حتى على امتدادات زمنية قصيرة: من كان يمكنه أن يتوقع أزمة أوبك، والتحول الجذري للكتلة السوفياتية، وجائحة الإيدز. وماذا سيفعل أولئك الناس الذين هم هناك وفي أماكن أخرى في البؤس، والذين ما زالوا يشاهدون على شاشات تلفزيوناتهم مثل هذه الفوارق في الثروات في عالم واحد. وكيف لنا أيضًا أن ندير حقيقة أن الانبهار المرتبط بوفرة واجهاتنا وبأدائنا التكنولوجي يستفزّ اليوم بلدان العالم الثالث التي تتخذنا نموذجًا وتريد «اللحاق» بنا، إذ ترى في هذا الهدف الأقصى نموذجها الوحيد للمستقبل.
ودائمًا فيما يخص مصفوفتنا الثقافية، لا ينبغي لنا كذلك أن نتعامى عن الحقيقة، بل علينا أن نلاحظ أن هذا التسارع المزدوج يجرّنا نحو أشكال من الأفعال، ومن ثم من المسؤوليات، تتكشّف أمامها اليوم قدراتنا على التأمل والتفكير واتخاذ القرار
ملاحظة: إن هذه الصورة الأولى للأرض الملتقطة من الفضاء (وما تلاها من صيغ) يمكن اليوم أن تُعَدّ العمل الفني الأبلغ دلالة والأشد تأثيرًا مما أنتجه قرننا. عمل، كما نلاحظ، لم ينتجه فنانون بل رجال علم، عمل لا مناص منه، لن يعود بعده تمثّلنا لأنفسنا أبدًا كما كان «من قبل»، عمل يدركه اليوم ويعرفه ويعلم به أكثر من نصف البشرية…
ص. 236
عاجزةً وغير ملائمة، في حين أننا كنا في أمسّ الحاجة إليها أكثر من أي وقت مضى.
وبهذا المعنى، لم يعد يُحصى عدد لجان الأخلاقيات التي تظهر في أكثر الميادين تنوعًا، وهو ما يدل على وجاهة بعض كبار المهنيين في معرفة كيفية وضع أسس أسئلة حقيقية، لكنه يدل أيضًا على أننا، في مرحلة ثانية، عاجزون تمامًا عن إدارة هذه الأسئلة نفسها، وهو دليل بيّن على أننا لا نملك (أو لم نعد نملك) الترسانة الملائمة من التفكير الفلسفي أو الديني أو الفني أو الشعري، كما كان يمكن أن نأمل في تطويرها لنحاول تقديم جواب، أو «الجواب»، أو أجوبة.
وما كان لتسارع أُسّي مزدوج كهذا (علمي وتكنولوجي) أن يكون مقلقًا في حد ذاته، لو أن القطاعات الأخرى من الفكر البشري قد حظيت بالقدر نفسه من الرعاية واستُنفرت لتتدخل ثقلًا موازنًا في مواجهة هذا التضخّم التقني الثقافي الصريح الذي نعرفه اليوم. ذلك أن البنى الأكثر ترحيبًا في مجتمعاتنا هي منذ وقت طويل، بطبيعة الحال، تلك التي يمكن انطلاقًا منها — في مجتمعنا التجاري بلا ريب — توقّع أكبر الأرباح. وهذه الميادين هي بالفعل تلك التي تتعلق بالعلوم والتقنيات، إذ هي، فلنذكّر بذلك هنا، القطاعات الموعودة بأفضل آمال الربح، ذلك العصب الحقيقي للحرب في مجتمعاتنا الحديثة الغازية.
وإذا أطلقنا العنان للحلم، فلعل التحدي الحقيقي لمجتمعنا المعاصر سيُرفع يوم يصبح بوسع الشعر والفلسفة وفن التفكير والتأمل والفنون الجميلة، ولمَ لا الدين أيضًا، أن تُنتج وتُدرّ، إن لم يكن أرباحًا مماثلة لتلك الناجمة عن تطبيق العلوم والتقنيات في مجتمعاتنا التجارية، فعلى الأقل أن تتدخل وتستجيب للنداءات والطلبات والتطلعات الملحّة على نحو خاص من جانب الأفراد. وأن تغذّي في المقابل، وبالتوازي، العقول.
ذلك أن غياب مثل هذه الأماكن التكميلية للربح ص. 237 الحاملة والمواتية لإنتاج التأمل والفن والفلسفة يمكن فعلًا أن يفسّر إفلاس الفكر كما نلاحظه في مجتمعاتنا المتعطشة. إفلاسٌ للفكر تتمثل نتيجته المباشرة والأولى في العجز العميق لمعاصرينا عن بلوغ تركيبٍ للعالم الذي يعيشون فيه والذي به يوجدون أيضًا، وفي عجزهم كذلك عن تكوين تمثّل متماسك واستشرافي ومسؤول عنه، حتى لو كانوا فيه قادة سياسيين مثلًا أو صانعي قرار اقتصاديين.
أما الفرضية والقلق اللذان يطرحان نفسيهما على هذا المستوى — حرصًا على رؤى استشرافية — فيتمثلان [سيتمثلان] في النظر إلى المجتمعات البشرية المختلفة بوصفها حصيلة سلسلة من السلوكيات الجماعية — يتكتّل حولها أفراد المجتمع المذكور ويستقطبون فيها جهودهم اليومية — ثم في التحقق مما إذا كانت مثل هذه المجتمعات التوافقية، في إطار محدد كهذا، ذات مسار/مصير محدود ومنتهٍ فعلًا، يمرّ بتوسّع تدل نقطة ذروته على الأوج — كما تحتوي معادلة رياضية على قيمة عظمى — ومن تلك النقطة يبدأ الانحدار، حتمًا، كنتيجة لازمة لا مفر منها. ويكفي أن نفكر في زوال مصر القديمة، والحضارتين الإغريقية والرومانية، وفي ما هو أقرب إلينا، انهيار الاتحاد السوفياتي السابق.
وفي هذا السياق، يمكن عندئذ أن نتساءل عمّا إذا كانت مجتمعاتنا التقنية الثقافية ستبلغ نقطة الذروة هذه، وهي نقطة اللاعودة الحقيقية التي تكرّس انحدارها الذي لا رجعة فيه، بسرعة أكبر كلما عجزت وجاهةُ الفكر الحسّي والحدسي عن أن تجد وسائلَ اقتصاد إنتاجها، ومن ثم وسائل فعاليتها.
ويُطرح هنا سؤال آخر وثيق الصلة بالتساؤل السابق، بحدّة بالغة: على أرضية كهذه في مجتمعاتنا التقنية الثقافية الغنية، أيُّ إبداع فني كان يمكن أن يرى النور، وفي ظل أي قيود؟ وبأي أشكال؟ وبأي قوة تأثير… وما الذي كان يمكن لهذا الإنتاج الفني أن يفعله أمام ص. 238 سؤال المعنى. حين يُنتج التضخّم العلمي معلوماتٍ بالتأكيد، لكنه لا يكاد يُنتج معنى!
وفي هذا الحراك وهذا الاختلال اللذين لم يُعرفا قط من قبل في تاريخ أي مجتمع بشري، من البديهي أن الفعل الإبداعي لم يعد على الأرجح هو نفسه تمامًا ولا شيئًا آخر تمامًا، وأن تغيّرات تطرأ عليه: فهل هي جذرية أم ضعيفة المدى، وهل تعيد النظر في الفعل الإبداعي ذاته، في وجاهته، وإن كان يبدو أن علينا أن نهتم بالشروط المحيطة بالفعل لا بعمليته العميقة التي هي أقرب بكثير إلى مفهوم «الصندوق الأسود» منها إلى عملية قابلة للقياس الكمّي حقًا.
وهنا أيضًا، يمكن للمعطيات المستمدة من المعارف المحيطة أن تساعد على صياغة فرضيات جديدة، ويمكن لنظرة كمّية إلى البيئة، فيما ينتج عن ممارستها، أن تكون عونًا ثمينًا.
قلتم فنان؟ فما شأنه إذن في مصفوفتنا، وماذا يمثّل؟
في مجتمع كالمجتمع الفرنسي المعاصر، يمكن — استنادًا إلى الأرقام الصادرة عن الهيئات المهنية المختصة — التسليم بنسبة من الفنانين تتراوح بين 1/500 و1/1000 من السكان، وهو ما يعني أن العدد الإجمالي للفنانين في فرنسا يقع في نطاق يتراوح بين 50,000 و100,000 شخص تقريبًا، في جميع الميادين الفنية مجتمعةً، سواء أكانوا ممثلين أم موسيقيين أم فنانين تشكيليين أم كتّابًا أم شعراء.
(والواقع أنه يبدو أن هذه النسب من الفنانين إلى عدد السكان ذات مرتبة الحجم نفسها في المجتمعات البشرية المختلفة، أيًّا كانت الأعراق والعصور أو درجات التطور الثقافي).
وإذا كانت الصفة الأولى التي يمكن أن يوصف بها الفنان هي فعلًا استعداده الطبيعي لرؤية واسعة الزاوية ناجمة عن فرط الحساسية، فيمكننا أن نفهم النسبة ص. 239 السابقة على أنها تعبّر عن قدرة النوع البشري، من الناحية الجينية، على أن يُنجب عند الولادة نسبة مماثلة من الكائنات البشرية الصغيرة الموهوبة بهذا الاستعداد الخاص الذي هو فرط الحساسية.
وفي الواقع، يمكن التسليم فعلًا بأن المجتمعات البشرية المختلفة تنطوي، بوجه عام، على إمكانات من الفنانين لا يُستهان بها، بل ذات شأن، أولئك الفنانين الذين ندين لهم لاحقًا على وجه الخصوص بذاكرة مكانهم وعصرهم. لكن ماذا سيكون مصير هذه الفرص الفردية: هل ستكون المصفوفة الثقافية مواتية لها أم لا، وكم من الفنانين — وأيّهم — سيشاركون على نحو ملموس في مشهد مجتمعهم، وهل سيؤثرون أم لا في روح معاصريهم.؟ كم منهم سيتمكن من العمل، وكم منهم سيضطر إلى المضيّ في سبيله؟ وهل ستفعل الخميرة فعلها في الإنجاز وفي المصير الجماعي؟
فالسؤال هنا إذن هو معرفة ما يؤول إليه هذا الرصيد من الفنانين بالقوة، والنظر فيما إذا كانت المصفوفة الثقافية المحلية ستعرف كيف تستفيد من هذا المنّ الموضوع في متناولها وتستثمره أم لا، وكيف يُدار هذا المنّ، أو أُدير، أو سيُدار *.
فما شأن هؤلاء الفنانين إذن، على نحو ملموس، في المجتمعات الغربية الغنية، وكيف كان يمكنهم أن يعملوا، وأن يبذروا مصفوفتهم الثقافية — ويؤثروا فيها — أم لا، وأن يُغنوها بنظرتهم ويتيحوا لمعاصريهم أن يدركوا أنفسهم وأن يجدوا موطئ قدم في عصرهم؟ باختصار، أيّ مصير كان يُعدّه لهم مجتمعهم نفسه؟
والجواب عن هذه السلسلة من الأسئلة مقلق: فقبل عشر سنوات بالكاد من عام 2000، كان قليلٌ من الفنانين — في مجتمعاتنا الغربية الغنية مع ذلك — يعيشون من ممارسة فنهم وحدها. أكان ذلك لأن روح معاصرينا كانت «في مكان آخر»؟ وأين؟ أكان ذلك لأن الفنان، في سوق وفي تقليد عتيق من
ملاحظة: من الشائع مثلًا القول والاستشهاد بأن ثلث الأعمال الفنية التي أنتجتها البشرية على هذا الكوكب خلال الألفيات الخمس الأخيرة قد أُنتج في إيطاليا إبّان عصر النهضة، في ظروف الخصوبة المعروفة.
ص. 240
الإنتاج الفني، لم يعد يثير اهتمام معاصريه ولا يستجيب لانتظارهم المبهم، اللهم إلا فئة صغيرة منغلقة؟ أكان ذلك أيضًا لأن الفنانين، في مواجهة تصحّر صريح للقيم في بيئتهم، لم يعد بوسعهم أن ينتجوا سوى أشكال فنية ثانوية، احتجاجية أو استفزازية مثلًا؟ أم كان ذلك لأن تعريفات العمل الفني، وهي بدورها عرضة للتطور، قد تنزاح إلى حد أن تقابل مفهومَ العمل الفني تعريفاتٌ غير مسبوقة بلا أي مرجعية، وأن تُدرَك مثلًا، مع قدر من الاستفزاز، «كاتدرائية» القدماء و«الشريحة الإلكترونية» اليوم على نحو متكافئ، بوصفهما ثمرةَ الطبيعة نفسها من الجهد والكفاءة الجماعية، كما كانتا كلتاهما؟ لكنهما على أي حال ليستا ثمرةَ الهدف نفسه ولا الدافع نفسه!
وعلى العكس، ألا يكون السبب أيضًا أن معظم الأعمال الفنية المعاصرة لم تعد تستجيب، أو تستجيب على نحو سيئ، لانتظار الجمهور، لأنها لم تعد تُلزم إلا بتمثّل ضيّق صادر عن فنان، عن تجربته/معرفته الحصرية، المحدودة بطبيعتها ما لم يكن اسمه شكسبير أو كراناخ أو مونيه أو بيكون، في حين ننتظر من العمل أن يحتوي على كلية الموقف، لا أن يقتصر على الإشارة إلى ملاحظة عابرة ما، عابرة إلى حد أنها صارت واهية، على تخوم التفاهة؟
فنانون اليوم، ليكن، ولكن في الواقع، فنانون لأيّ غاية؟
هل يمكن تعيين روح العصر وتسميتها، وهي عطر حقبة ما وتوقيعها اللامادي في مكان ما…. ومن «ذا» الذي سيستأثر إذن بالامتياز المتعالي بامتلاك وسائل وصفها وأدواته، وبتحديد أشكالها وملامحها، كي يخطّها على لفافة البردي قديمًا، التي تحوّلت اليوم إلى قرص فيديو، فيودع فيها ذاكرة الغد؟ وقراءة اللحظة.
ولماذا يكون الفنان وحده ربما، حين يشارك الجميع ص. 241 في التنفس نفسه، هو الذي أُتيح له بلوغ هذا الخط، الذي هو اليوم نبوءة وغدًا ذاكرة، لماذا. أكان ذلك لأنه — فضلًا عن فرط حساسيته — كان، وحده أحيانًا في زمنه، يأخذ وقته بالضبط ليأخذ الوقت، ويتسكّع، ويمنح المعنى لتلك اللحظات التي كان يأخذ فيها الوقت بالضبط، في حين كان آخرون — معاصروه — يكدحون، وينشغلون، ويعبرون عصرهم «هم» ويشكّلونه في حركة براونية، محرومين من أي مسافة إزاء هذه المصفوفة الثقافية التي كانوا مع ذلك يبذرونها بتراكم كل عملهم وأفعالهم وحركاتهم وقراراتهم. في حين كان هو، الفنان المتسكّع، لا يزال قادرًا، «مُحدِسًا»، على أن يولي بعض الأهمية لبعض العلامات، توقيعِ روح العصر هذه السابحة من حوله، كي يقدّم، في لحظة نعمة أخيرًا، ربما، شهادته عنها.
لكن ألم يكن يحدث أيضًا أن يعرف الفنان العابر كيف يتوقف ويتساءل، يتساءل مثلًا عن وجاهة أدوات خطّه ذاتها: أيكون أن أدوات الإبداع التقليدية، الفُرَش والأقمشة والإطارات الخشبية. لم يعد بوسعها اليوم أن تعبّر «على نحو جيد تمامًا» عن روح العصر، وألا يكون أن ممارستها صارت من الآن فصاعدًا تعبّر عن نظرة متجهة نحو الماضي، ومن ثم نحو التاريخ، أكثر بكثير مما تعبّر عن نظرة متجهة نحو المستقبل، نحو ذلك الغد الذي نشعر به يلوح منذ الآن، هنا، تحت النظر؟ أم يكون أيضًا أن شهادته لا تخدم اللحظة في شيء — بقدر ما كان إبداعه مدعوًّا لأن يظل سريًّا — ولا تصلح إلا «علامةً» و«مرجعًا» لعلماء آثار الغد.
وهكذا، إن صحّ ذلك فعلًا، ألا يمكن للحدس الفني اليوم ألا يجد مداه الكامل، وتجسّده التام، ووجاهته الحقيقية، إلا عبر الأدوات المنبثقة من التكنولوجيا المعاصرة والإدراكات الجديدة المنبثقة من المعرفة العلمية، شريطة أن تكون هذه الأدوات وهذه الأشكال الجديدة من المعرفة قد أُحسّ بها وتُنبّئ بها واستُوعبت بوصفها امتداداتٍ صارت من الآن فصاعدًا «طبيعية» للأداء العفوي للإنسان، ولدماغه، ولفكره ص. 242 ومن ثم أيضًا بوصفها امتداداتٍ ممكنة لأفعاله وحركاته ورغباته الخاصة، كما لممارسة جديدة أخيرًا لإدارة غير مسبوقة لذاته ولمصيره الخاص؟ أم يكون أيضًا أن أشكالًا أخرى من الانبثاق الفني كان يمكن ابتكارها، قاطعةً مع التعريفات والإنتاجات الكلاسيكية. وفي هذه المرحلة من التحوّل، أليس ذلك هو طريق التحرر والانفتاح؟... شريطة أن تتوافر الوسائل المادية للإنجاز؟
المسألة المكمّلة: المنطق الاقتصادي الكامن وراء الإبداع المادي لكل عمل فني
في كل العصور، كان كبار الزمان، من أمراء وموسرين وتجار، بل الملوك أنفسهم، المشبعون برغبة الفن وضرورته والمتشرّبون بهما، أولئك الذين كانوا يملكون سلطة اللحظة ومعرفتها، مستعدين لتمويل أعمال في أكثر أشكالها جِدّة وابتكارًا وطموحًا، من دون تحفّظ، ولا فكرة ربحية في استرداد المال، تلك الأعمال التي تَسِم مسار التاريخ.
أما في أيامنا هذه، فإن الإبداع الفني، في جميع ميادينه، لا بد أن يمرّ بعنق زجاجة حيث على الفن والربح القصير الأجل أن يتّحدا أو لا يكونا: فعلى الفيلم الكرتوني أن يكون أقل كلفة ممكنة كي يطمح إلى الإنجاز، وسيجد الفنان الرسام نفسه مضطرًا إلى إنتاج كمّي مكثّف كي يأمل في توقيع عقد، وسيكون تغطية ميزانية فيلم أقل صعوبة كلما بدت الأرباح أكثر يقينًا، إلخ.
وحين نفتح أعيننا على إنتاج الفن المعاصر الذي يحيط بنا، لا يسعنا فعلًا إلا أن نلاحظ أن الإنتاج الفني كله اليوم يستند إلى هذه الدينامية «التجارية» التي، وإن كانت تتيح لشكل معيّن من الفن أن يعبّر عن نفسه، لا تتيح لجميع أشكال الفن «الأخرى» أن ترى النور. ولا سيما تلك الإبداعات التي تستدعي التشرّب، وص. 243 التأمل، والتفكّر، والنضج، أو تلك التي تبتكر ابتكارًا جذريًا، أو تلك التي، كالحركة الأولى من السيمفونية الخامسة لبيتهوفن، احتاجت إلى أن يعيد مؤلفها غير الراضي كتابتها …20 مرة، أو كتلك اللوحة أيضًا التي رسمها فيرمير والتي تطلّبت من الفنان أكثر من 7 أشهر من العمل اليومي!
والحال أن المنطق الاقتصادي لسوق الفن — وقيوده الخاصة — يُجفّف منذ مطلع هذا القرن إبداعيةَ الفنانين المعاصرين الذين عليهم أن ينخرطوا في دهاليز هذا القالب ويناضلوا فيه، أو، إن لم يقبلوا به، يُحكم عليهم بألا يوجدوا وبأن يختفوا. ومجازيًا، قد نميل إلى القول إن حديقة الفن في أيامنا هذه لم تعد تُثمر كل الثمار التي كان يمكن أن تكشف عنها، وإن ثمة تصحّرًا. بل أكثر من ذلك، فإن هذه الأعمال نفسها، حتى حين تُنجز، لا يكون لها أي أثر حقيقي في محيطها، في عقول المدينة.
هذه الملاحظات، غير المريحة على أقل تقدير، يمكن أن تُفهم بوصفها العلامة المكمّلة والجليّة لثقافة فقدت توازنها مع ذاتها، ثقافة لا تبقى العناصر الفاعلة الوحيدة في مصفوفتها سوى ما يدرّه الفعل الفني من ربح لا عمق هذا الفعل، ذلك العمق الذي لا يسعى إليه سوى قلة نادرة من الفنانين أو من «المستنيرين»، كما يتتبّع المرء خيطا نحو نجمه أو يلاحقه، بمعزل عن أي مردود تجاري وبعيدا عن أي بنية مواتية.
غير أن الوضع اليوم ليس مسدودا، شريطة أن نقبل الخروج من التقليد في ما قد يكون فيه من عدم ملاءمة، ذلك أن المجتمع الحالي، من جهة، مستعد لسماع الابتكارات، لا سيما أنه يشعر جيدا بأنه في حاجة إليها، حاجة حيوية، ولأنه، من جهة أخرى، يمكن لنمط جديد من الفنانين أن يفرض نفسه، نمط فنان مقتنع بأن سوق الفن لن تتيح له تحقيق عمله وطموحه، فيتعيّن عليه — في الوقت الذي يتصوّر فيه العمل — أن يبتكر أيضا منطقه الاقتصادي لإنجازه، فيصبح بذلك رائد أعمال بكل معنى الكلمة. (ألم يعرف ليوناردو دافنشي كيف يبتكر على طريقته منهجا جديدا للخصوبة والإنتاج الفني بربطه بين مجالين ظلا حتى ذلك الحين منفصلين مبدئيا: مجال ص. 244 المعرفة العالمة الأكاديمية والجامعية في التقليد الرفيع للكتابة، ومجال المعرفة اليدوية، معرفة الحرفيين، مستفيدا بنفسه من الواجهة التي عرف كيف يخلقها، والتي كانت ستنبثق منها «بصورة طبيعية تماما» الاختراعات التي نعرفها!
إن التمفصل فن/تكنولوجيا جديدة/اقتصاد هو تحديدا الموضع الذي يمكن فيه لهذا اللقاء أن يتجسّد اليوم، في تآزر جديد — وهو ما أحاول إثباته في إبداعي الخاص — لأن هذا التآزر يضع في تواصل رجالا جددا، فنانين بالطبع، لكن أيضا صناع قرار من عالم الاقتصاد، قد يتكشّفون أحيانا عن أرستقراطيين — أعني أصحاب فكر شمولي — أدركوا أنه من دون «قفزة» ثقافية حقيقية — لا في المؤسسة نفسها فحسب، بل في الجو المحيط أيضا، جو الحياة اليومية، ذلك الذي تفرزه مصفوفاتنا ما بعد الصناعية ذاتها، — ستكون هناك نواقص، تلك النواقص نفسها التي نلمحها في عمق نظرات الأطفال، وأكثر من ذلك في نظرات المراهقين، في استنارة تعوزهم إزاء بيئتهم الخاصة، ووضعهم الخاص، وفي النهاية إزاء معنى ما قد يمنحونه أو لا يمنحونه لحياتهم الشخصية المقبلة.
لعل العلاقة فن/علم/اقتصاد، إذ تفلت مبدئيا من سوق فن يمرّ بصعوبة بالغة، اقتصادية ومفاهيمية على السواء، هي الفرصة السانحة لمجتمعاتنا التقنية الثقافية اليوم لكي تتيح لتعبيرات فنية لا تعرف المهادنة أن ترى النور، إذ لم يعد على الفنان أن يمرّ تحت نير السوق، بل صار بوسعه من الآن فصاعدا أن يفرض عمله في الفضاء العام بعد أن يكون قد خلق الحاجة إليه، دون أن يكون مفهوم الربح جواز المرور الحصري ولا المفتاح الإلزامي لعبارة «افتح يا سمسم».
من تعدد التخصصات إلى عبر التخصصية في ممارسة الفن: أربعة أمثلة على الإخصاب المتبادل
على مثل هذه الأرضية إذن، المدرَكة والمعيشة على هذا النحو، أتدخّل منذ 25 عاما الآن في فضائي ص. 245 الثقافي الخاص بصفتي فنانا. طويلا بإيماءات الرسام، لكن رسام لم يكن في وسعه ألا يتساءل عن معنى مسعاه الخاص، في فضائه الشخصي أولا، ثم في فضائه الاجتماعي والجماعي. رسام كان يشعر على نحو مبهم بأن فن الآخرين، كفنه هو، ينبغي أن يتدخّل في المدينة وأن يلوّنها بطريقة محسوسة. رسام لن يرى قريبا في ممارسة الرسم سوى شكل من أشكال التعبير الفني أبدي وبالٍ في آن. بالٍ لا سيما بسبب عدم توافقه مع وسائل الإعلام، محكوم عليه بأن يبقى فعلا منحصرا، لا يخاطب سوى حفنة من الهامشيين الذين كانوا يكتبون عن الفن، أو من المقتنين والهواة بعدد ضئيل على نحو مأساوي. رسام إذن لا يرى في الرسم سوى فن بعيد كل البعد عن توفير وسائل أي تحرر مهم للإدراك لدى معاصريه. فن بعيد جدا عن امتلاك الفاعلية والأثر اللذين كانا مثلا لمجال الأغنية على المصفوفة الثقافية. ويكفي أن نفكّر في فاعلية أغاني جون بايز لدى الشباب الأمريكيين خلال حرب فيتنام بوصفها كاشفا حقيقيا للوعي.
ولهذا، وإن كنت لن أنسى أبدا الرسام الذي كان يسكنني، فقد كان علي أن أسلّم بأن ممارسة الرسم الصرف، حتى في أعظم ما بلغه التقليد، لن تعبّر أبدا عما كنت أتمنى أن يجسّده «فنان» يمثّل الحقبة المعاصرة. هذه الحقبة، حقبة التحوّل اليومي، هذه الحقبة التي تعيد ابتكار مفاهيمها باستمرار، هذه الحقبة، حقبة التواصل المفرط، هذه الحقبة التي تكتسب المعارف ذات الأصل العلمي اكتسابا أسّيا، هذه الحقبة، حقبة الغليان… هذه الحقبة التي تنتظر اليوم المعنى انتظارا مأساويا، والتي سيكون على الفن فيها، أكثر من أي وقت مضى وأنا واثق من ذلك، أن يتدخّل لا بجرعات ضئيلة كجرعات الطب المثلي، بل بوصفه شريكا كاملا، مندمجا أخيرا في التنفس الجماعي.
وشيئا فشيئا، وبهذه الروح، كنت سأُقاد إلى خوض طريق التجاوز واكتشافه، وكذلك ص. 246 طريق تحوّل «مهنتي»، أو ينبغي أن أقول وظيفتي، وإلى استكشاف الابتكار الفني بأن أدمج فيه — من دون أن أنتبه لذلك كثيرا في البداية — المهارات التكنولوجية لمجتمعي الحاضن بوصفها فراشي من نوع جديد، أدوات إبداعية حقيقية بكل معنى الكلمة. وهو ما كان سيدفع حتما حدود العمل الفني وتعريفاته التقليدية، وسيرغمني أيضا على ابتكار منطق اقتصادي خاص لإتمام ما كان يمكن أن يبقى مجرد أفكار مجردة لشاعر أو مجرد مفاهيم عابرة.
كان هذا الطريق سيكون أولا متداخل التخصصات، ثم متعدد التخصصات، ليدمج أخيرا البعد الخاص بعبر التخصصية.
ومن بين المفاهيم الفنية التي طوّرتها على امتداد الطريق والحياة، سأذكر هنا بإيجاز ثلاثة، لأوضّح الرابع على نحو أفضل.
يتعلق المثال الأول بالمواد ذات ذاكرة الشكل وبأولى المنحوتات المتطوّرة ذات الذاكرة التي أنجزتها في كاليفورنيا. والأمر هنا يتعلق بمفهوم يعيد ابتكار النحت بأن يدمج فيه الذاكرة بوصفها بعدا، لكنه ينتمي إلى تعدد التخصصات أكثر مما ينتمي إلى عبر التخصصية. أما المثالان الآخران فيدمجان المكوّنات التكنولوجية الخاصة بغزو الفضاء ويحيلان إلى المتخيَّل الذي أرساه منذ 40 عاما: هذان المفهومان، «العجلة السماوية» وعملية «رسائل البشر إلى الكون»، ينتميان منذ الآن إلى عبر التخصصية. ثم سيُفرد مكان أكبر للمثال الرابع، مفهوم «Royalties/Jardin/Terre»، وهو مفهوم عابر للتخصصات بامتياز.
1. المنحوتات ذات ذاكرة الشكل
تطوّر هذا المثال الأول على امتداد أكثر من عشر سنوات من حياتي، وما زال مستمرا. فمن 1986 إلى 1990 على وجه الخصوص، قادتني الظروف، في كاليفورنيا مع مجموعة Raychem Corp، وبمساعدة فريق مؤلف من مهندس وتقنيين اثنين، إلى تطوير درجات جديدة من سبائك نيكل/تيتانيوم ذات ذاكرة ص. 247 الشكل، في إطار برنامج للبحث والتطوير ينطوي على ميزانية مخصصة تحديدا للفن يتجاوز مبلغها الإجمالي 1.5 مليون دولار، وذلك بهدف وحيد هو إنجاز مفاهيم جديدة للمنحوتات. وقد نال الإنجاز الأول الذي تلا ذلك جائزة «New Horizon Award 1987» التي تمنحها ISAST في بيركلي، ومنذ ذلك الحين أُعيد نشره في الكتب المدرسية للعلوم الفيزيائية، وفي كتب تعليمية فرنسية، وفي موسوعة Théma Larousse، و(يصدر خلال عام 1993) في Nouvelle Encyclopédie Diderot.
السبائك ذات ذاكرة الشكل، قلتم؟
من الناحية الواقعية، السبيكة ذات ذاكرة الشكل هي سبيكة يمكن أن نعلّمها أشكالا مختلفة في درجات حرارة مختلفة، أشكالا تحفظها في ذاكرتها ويمكنها لاحقا أن تستعيدها في كل مرة تصادف فيها من جديد درجات الحرارة نفسها.
تقابل هذه الخاصية الموصوفة على هذا النحو الظاهرة المعروفة في الفيزياء الأساسية باسم التحوّل المارتنسيتي العكوس، وهي ظاهرة اكتُشفت لأول مرة (بمحض المصادفة) عام 1932 على يد ل. س. تشانغ وت. أ. ريد في سبائك من الذهب والكادميوم، ثم تأكدت مجددا عام 1938 على يد ج. بيركنز في سبائك نحاس-زنك-ألومنيوم.
وبطبيعة الحال، يمكن للنظرة التي نلقيها على هذه السبائك ذات الذاكرة أن تتغيّر طبيعتها بحسب ما إذا كنا فنانين أم لا: فمن نظرة علمية صارمة يمكن أن تصبح حسية، ومن الحسية يمكن أن تكتسب بعدا فلسفيا وشعريا: «أيتها الأشياء الجامدة، أتكون لك إذن روح؟». وعندئذ يتغذى منها المتخيَّل الفني. ومن هذا الانزلاق في الإدراك تحديدا، من العقلاني إلى الحسي، كان سيولد عزمي على إتمام هذه العلاقة فن/تكنولوجيا جديدة، في صيغتها المزدوجة: تطوير المادة أولا (لكي تستجيب لمتطلبات دفتر شروط تقنية موجّه نحو تطبيق في النحت)، ثم في صورة النماذج الأولى وأولى الأعمال الفنية المنبثقة من هذه المادة ذات الذاكرة المقلقة.
ص. 248
فعلا، تخيّلوا. تخيّلوا أن تولد في أذهانكم، إذا ما أخذت في الحسبان خصائص هذه السبائك، فكرة منحوتة متطوّرة ذات ذاكرة تحثّها الشمس على الانبساط نحو الزرقة، وترغمها رياح الشتاء على الانكماش على ذاتها أيضا…، تخيّلوا أن أذهانكم لا تكفّ عن ترويض المستويات الذرية. تخيّلوا... تخيّلوا.
ذلك ما كان مقدّرا أن يحدث لي، ولن أكفّ طوال عشر _ سنوات عن السعي إلى بلوغ الهدف! ذلك أن هذه السبائك كانت بالتأكيد تمنح الخيال الفني درجة جديدة من الحرية، بلا مرجع، كالكنز، يمكن للمرء أن يدّعي أنه يستشعره قبل حتى أن يختبره. (لقد أتاح لي أول نموذج أولي منجز لمنحوتة، بشراكة فرنسية، عام 1985، إنجاز تمثال نصفي معدني «هرمافروديت» كان يتحوّل من هيئة جذع رجل إغريقي حين يتعرّض لدرجة حرارة 20 درجة مئوية، إلى هيئة جذع امرأة إغريقية عند 55 درجة مئوية، والعكس بالعكس).
هكذا كان متخيَّل غير مسبوق، يستوقف الفكر تماما، ينفتح أمام الإبداع الفني، لأنه بالتحكم في أداة إبداعية كتلك التي كانت تمثّلها هذه المواد، فإن المنحوتات المتطوّرة ذات الذاكرة التي ستنتج عنها ستنطوي على:
— بعد الذاكرة بطبيعة الحال (استعادة الأشكال المكتسَبة)،
— بعد الزمن (في أحد تجلياته، تجلي الإيقاعات والدورات)،
— بعد التحوّل (تحوّل الأشكال المتعاقبة)،
— بعد الاحتمال أيضا (تعذّر التنبؤ بظروف درجات الحرارة)،
— بعد التواطؤ مع اللامتناهي في الصغر (المرتبط بسلوك المستويات الذرية — مقر ظاهرة الذاكرة)،
— بعد اللامتناهي في الكبر (بفعل دوران الأرض حول نفسها وحول الشمس، وتغيرات درجات الحرارة المرتبطة بالأيام والليالي وبالفصول، وبطبيعة الحال أثر هذه التغيرات في درجة الحرارة على الأشكال التي تتخذها المنحوتات).
ص. 249
عندئذ، فإن هذه الدرجة الجديدة من الحرية الممنوحة للفنان، إن هو بلغ التحكم في مادته الإبداعية الجديدة، ستفتح له هنا أبواب أكثر نزواته خيميائية، وستدفع حدود متخيَّله وحدود رسالته الجوهرية بوصفه إنسانا، المتمثلة في أن يستشرف دائما ما هو أبعد من الحدود القائمة.
هل سأُغرى بجعل منحوتاته «تتنفس» على إيقاع دوران الأرض، أي على إيقاع الأيام والليالي، وكذلك على هوى الفصول؟
هل سأمضي إلى منح هذه المواد المعدنية وهم ملامسة بواكير الحياة، عبر حركات تحوّل في الأشكال تؤديها بحسب علاقتها ببيئتها؟
ألن أرفع التحدي فأصمّم منحوتة يكون على جميع أشكالها أن يحب بعضها بعضا كجميع نوتات المدوّنة الموسيقية الواحدة؟ أو العكس!
كان حقل الممكنات هائلا، يكاد يكون معجزة: النحت والمادة الجديدة، الفن والسبيكة ذات الذاكرة. في كتلة الرخام، حين لا يرى الطفل سوى الكتلة، كان الفنان يعرف فيها الحصان وفارسه، وميكيلانجيلو تمثاله «البييتا». وفي السبيكة ذات ذاكرة الشكل المصبوبة، حين لم يكن الطفل يرى سوى صفيحة معدنية، كنت أرى فيها ذاكرة تُسلم نفسها لأزاميلي، حتى وإن اتخذت أزاميلي شكل حسابات بطريقة العناصر المحدودة وروبوتات موجّهة وفق المحاور X وY وZ.…..
إن عشر سنوات من المسار، وميزانية للبحث والتطوير تتجاوز، كما ذُكر، 1.5 مليون دولار، كان مقدّرا لها أن تتيح لي عام 1989 إنجاز أول منحوتة ذات ذاكرة على نطاق واسع في خليج سان فرانسيسكو: «طوطم المستقبل». واليوم تتواصل مفاهيم أخرى، منها «بوابة اللانهايتين»، مستخدمة هذه المواد لكنها تبتعد عن النحت بحد ذاته، في تحرر جديد كليا للمتخيَّل.
2. العجلة السماوية — (تاريخ المفهوم: 1975)
هذا المفهوم، المتعدد التخصصات بوسائله الأساسية لكنه العابر للتخصصات في فك رموزه، يأخذ في الحسبان الحساسية الجديدة التي أطلقها العصر خلال هذه ص. 250 السنوات الأخيرة، ويمجّد على وجه الخصوص المتخيَّل الجديد الذي أرساه غزو الفضاء. وهو يستند أيضا استنادا مباشرا جدا إلى المهارات التكنولوجية الخاصة بهذا الغزو، ولا سيما إلى أحدث تطورات الأدوات ذات الغاية العسكرية التي تندرج في إطار البرنامج المسمى «حرب النجوم»، أي مبادرة الدفاع الاستراتيجي (IDS).
من الناحية الواقعية، يقوم مبدأ المفهوم على أن تُركَّب على 40 قمرا صناعيا ثابتا بالنسبة إلى الأرض، متساوية المسافات فيما بينها، وإضافة إلى وظيفتها الأصلية، أجهزة ليزر للإشعاع الضوئي يمكن التحكم فيها عن بعد من الأرض، يُرى كل منها من الأرض ببريق يساوي لمعان كوكب الزهرة أو يفوقه، حين يظهر في أقصى بريقه.
ومن خلال مثل هذا الجهاز — دائرة الأقمار الصناعية الثابتة بالنسبة إلى الأرض المجهزة على هذا النحو بهذه المصادر الضوئية الأربعين — سيصبح من الممكن:
— إضاءة إكليل من النجوم حول الكوكب، إكليل يراه جميع سكان الأرض، يُضاء في لحظات «مميزة» ولفترات قصيرة، كرأس السنة الميلادية، ورأس السنة الصينية، ورأس السنة العبرية...
— إنشاء، بمناسبة أحداث خاصة تعني البشرية جمعاء — المعرض العالمي، الألعاب الأولمبية — إشارات ضوئية حركية عابرة على نطاق كوكبي، بفضل إضاءة الأقمار الصناعية المختلفة المجهزة على هذا النحو اثنين اثنين، وثلاثة ثلاثة،
— تجسيد سرعة الضوء بصريا: فدائرة الأقمار الثابتة بالنسبة إلى الأرض يبلغ محيطها 270,000 كم، والضوء المنطلق من قمر إلى آخر سيستغرق نحو 9/10 من الثانية لقطعها،
— استنهاض الضمائر ببرمجة «العجلة السماوية» بحيث تستطيع، في حال نشوب نزاع نووي، أن تبث على نحو عشوائي ومتقارب نداءات استغاثة S-O-S ضوئية «كونية» موجهة إلى جميع البشر.
هذا المفهوم، بين مفاهيم أخرى كثيرة للفن الفضائي مرتبة بعناية في ملفاتي ومن الضخامة نفسها، لم يكن بالطبع ليخلو من طرح أسئلة تتاخم الأخلاقيات: بأي حق يمكن لثقافة ما، ثقافتنا، أن تفرض نفسها على نظر جميع ص. 251 سكان الأرض بأن تنقش نفسها في سمائنا بلا شك، لكن في سمائهم أيضا، أوليس في ذلك تجاوز للمعنى أن نمجّد تقنياتنا لذاتها على هذا النحو من دون أن نبيّن ما يقابلها من أثمان؟ أوليس على التفكير أن يجيب أولا عن هذه التساؤلات، وأوليس على إجماع عام بين سكان الأرض أن يتحقق أيضا قبل أي تنفيذ.
على أي حال، كان التفكير قد صار ضرورة. ولهذا، بمناسبة الذكرى الأربعين لتأسيس اليونسكو، في 3 نوفمبر 1986، في مقر اليونسكو، القاعة الرابعة، وبمبادرة مني ومن خلال الأكاديمية الأوروبية للعلوم والفنون والآداب، عُقدت ورشة عمل يرد أدناه مقتطف من الصفحة الأولى من وثيقة العمل كما سُلّمت إلى مختلف الخبراء المدعوين، بهدف إنشاء «لجنة عالمية للأخلاقيات من أجل استخدام سلمي للفضاء»، بحضور ممثلين عن كبرى وكالات الفضاء الدولية أيضا:
«… على غرار الأهرامات والكاتدرائيات، يمكن للفن الفضائي أن يطمح إلى أن يصبح منارة عصرنا ورمزه.
إن الرهانات التي ينطوي عليها (أكثر من 5 مليارات متفرج، واستخدام التقنيات المتقدمة، وميزانية صادرة عن الجماعة البشرية) تفرض أساليب إدارة / دعوة إلى تقديم الأفكار / تنفيذ، تتسم بقدر خاص من المسؤولية والشفافية.
وينبغي إنشاء بنية غير مسبوقة من العدم، تديرها لجنة أخلاقيات، بنية يمكن أن تفضي لأول مرة إلى مشاركة / تشاور / استشارة / إجماع على مستوى الكوكب، تعبّر عن وجهة نظر شاملة حقيقية في إدارة الأرض وبشريتها.
وفي هذا المنعطف الحضاري، حيث تبدو البنى التقليدية لاتخاذ القرار أقل فأقل قدرة على استيعاب الإدراك الثقافي الشامل الجديد للأرض وما يرتبط به من متطلبات، يمكن للبنية المقترحة لإدارة الفن الفضائي أن تشكّل علامة فارقة ومرجعًا.
جدول الأعمال:
1 — الفن الفضائي: رهانات وانحرافات
2 — بنية إدارة الفن الفضائي ص. 252
3 — نحو إنشاء لجنة أخلاقيات ولجنة مكلفة بدراسة العلاقة بين القانون والفضاء
4 — خاتمة...»
وكان من أول آثار تأملات لجنة الأخلاقيات هذه أنها دفعت المشرّع إلى الانكباب بنشاط على الإشكالية المرتبطة بمسألة قانون الفضاء. وبعد أن ظلت في حالة ترقّب خلال السنوات الأخيرة، من المقرر قريبا جدا إدماجها في بنية عالمية للأخلاقيات في خدمة مختلف الحكومات.
3. عملية «رسائل البشر إلى الكون» (يونيو 1986/يناير 1987)
المثال الثالث على ما يمكن لنظرة فنية عابرة للتخصصات أن تنجزه بوصفه شكلا جديدا من أشكال الانبثاق الفني: عملية «رسائل البشر إلى الكون». هذه العملية التي تصوّرتها والتي كنت سأصبح خادمها طوال ستة أشهر قامت على ثلاثة معطيات. المعطى الأول أن الصور الفوتوغرافية الأولى للأرض كما تُرى من الفضاء كانت معروفة منذ أكثر من 25 عاما لدى غالبية الفرنسيين (وقد نتج عن ذلك تحرر ثقافي جديد)، والثاني أن المعرفة ذات الأصل العلمي كانت تسمح بالتلميح إلى أنه ليس من غير اللائق تماما أن نفكر في أننا ربما لسنا الكائنات الذكية الوحيدة التي يمكن أن توجد في الكون؛ والمعطى الثالث أنه، منذ عام 1985، كان أكثر من مليون ونصف مليون جهاز Minitel منتشرة بين السكان الفرنسيين. ومن هنا الاقتراح التالي لكل من يرغب: «ماذا لو كان لديك شيء تقوله عن نفسك لهؤلاء "الآخرين" المحتملين غيرنا، إن لديك تحت تصرفك صفحتين على Minitel» (عبر خادم معلوماتي على الرقم 36-15)، وكان يُقدَّم الضمان، بموافقة المجتمع العلمي الدولي، بأن جميع الرسائل الواردة ستنطلق إلى الأبد في الكون نحو قلب المجرة، يبثها مقراب نانساي الراديوي في اليوم «الموعود».
ص. 253
وهكذا، في 26 يناير 1987، عند الساعة 10 بالتوقيت العالمي، وأمام وكالة الصحافة الفرنسية وعدة قنوات إذاعية وتلفزيونية دولية ومئات المتفرجين من الفضوليين، كان أغرب عمل جماعي أنجزته البشرية على الإطلاق، وأكبرها أيضا، ينفلت من الأرض في صورة شريط كهرمغناطيسي يزيد طوله على مليار كم، انطلق بسرعة الضوء نحو قلب مجرتنا. قلب سيبلغه هذا الشريط الكهرمغناطيسي بعد 30,000 سنة، ومجرة سيغادرها إلى الأبد بعد 100,000 سنة. هذا الشريط الكهرمغناطيسي، الذي بثه مقراب نانساي الراديوي المهيأ خصيصا ذلك اليوم لهذه المهمة، كان يحمل شهادة أكثر من 10,500 إنسان رغبوا في قول شيء عن أنفسهم لهؤلاء «الآخرين» المحتملين غيرنا. وبين 1 يونيو 1986 و26 يناير 1987، وبعد أن أعلمتهم حملة صحفية مكتوبة ومتلفزة كثيفة ومنتظمة، دخل أكثر من 50,000 شخص إلى خادم تيليماتي متصل بجهاز Minitel، وترك 10,500 منهم رسالتهم فيه، تلك الرسائل الموجهة إلى هؤلاء «الآخرين» المحتملين. وقد حظيت عملية «رسائل البشر إلى الكون» بتزكية المجتمع العلمي الدولي، وأسهم عدة علماء فيزياء فلكية، منهم هوبير ريفز، في التعريف بها. لقد تحقق حلم آخر من أحلامي بوصفي فنانا. وخصصت لها صحيفة الشعب اليومية في بكين مقالا، وفي الواقع كانت التغطية الإعلامية، من دون أن أسعى إليها، عالمية. وتمكّن مئات الآلاف من الناس من مصادفة هذه الفكرة، شأنها شأن تلك الأعداد التي لا تحصى من المعلومات التي نعبرها كل يوم.
4. مفهوم «Royalties/Jardin/Terre»: من تعدد التخصصات إلى عبر التخصصية الكاملة
انطلاقا من جملة من الملاحظات، كان مفهوم «Royalties/Jardin/Terre» سيتجاوز تماما مظهر العمل الفني في تعريفاته الكلاسيكية. وإذا كنت أتذكر الزمن الذي كان فيه كل ما أستطيع أن أشعر به في اللحظة يمرّ عبر اللوحة المرسومة، فإن ص. 254 مفهوم «R-J-T» اليوم يعبّر جيدا هو الآخر عن كل ما يُفكَّر فيه في لحظة وعيي. لم يعد الأمر اليوم يتعلق بلوحة تُقدَّم للنظر، بل بصفحة، ببضع صفحات، معدّة لأن يشعر بها ذكاء القلب والوعي وحساسيتهما حين يلتقيان، حين تهيّئ لذلك بعض العلامات.
مشروع Royalties/Jardin/Terre: بعض الملاحظات الأولية
النهب المنهجي للكوكب: تقليد ينبغي اليوم إعادة النظر فيه
يعلّمنا التاريخ أن المجتمعات البشرية دأبت دائما، ومن دون أي عقاب، على الاستعانة بمختلف «المخزونات» وبمختلف «الدرايات» التي طوّرها الكوكب والاعتماد عليها، وذلك لتلبية حاجاتها الحيوية بقدر ما هو لتلبية حاجاتها الثقافية الخاصة (قطف الثمار، صيد الطرائد، استخدام الطاقة المائية، استخراج المعادن…).
واليوم أيضا، ما زالت هذه الممارسات نفسها مستمرة، وما زال كل طرف، بلدا كان أو شخصا طبيعيا أو اعتباريا، بحسب حاجاته الخاصة، يقترض من الكوكب — دون أي مقابل — دراياته، ويغرف بلا عقاب من مخزوناته.
وإذا كان هذا التقليد، كما في الماضي، وما زال اليوم في بعض الأماكن، يعبّر فعلا عن المعنى العميق الذي ينطوي عليه «الكوكب الأم»، ويظل أحيانا مبرَّرا تماما، فإنه بالتأكيد لم يعد ملائما حقا لمنطقنا الصناعي والتجاري المعاصر، المستعد مثلا لاستنزاف البيئة إن لزم الأمر (إفقار المكامن، إزالة الغابات، تلوث المياه الجوفية، الصيد الصناعي، استنزاف الأراضي الصالحة للزراعة…).
ص. 255
معاينة من أربع نقاط: حالة طوارئ
الأرض — تذكير: منذ 4.5 مليار سنة، عرفت الأرض، الكوكب المميز في المجموعة الشمسية، كيف تطوّر، عبر أنظمة متعاقبة متطورة وهشة، ما يمكن أن نسميه «مخزونات» من المواد الأولية و«درايات» نحن البشر أكثر ممثليها تطورا، شأننا في ذلك، بالمعنى الأوسع، شأن الفراشات، والأنواع النباتية، والفيروسات القهقرية، والغرانيت، والدبال، وأقواس قزح، وأكسجين الهواء، وعطر الأزهار، والنشاط الإشعاعي الطبيعي، والمحيطات.
الطبيعة — إدراك جديد: في إطار المقاربة السابقة، يمكن إذن اعتبار الطبيعة قبل كل شيء بوصفها في الواقع «الحصيلة» الآنية بعينها لكل هذه الدرايات. ويمكن أن نلاحظ أنه، حتى عهد قريب، لم تكن هذه الدرايات متروكة إلا لتنظيمها الذاتي وحده، وأن الوجه الآني الذي كانت تتخذه الطبيعة كان ينتج عن ذلك مباشرة على وجه الخصوص.
اليوم — المسؤولية الجديدة: منذ وقت قريب، صارت تدخلات بشرية تتفاعل بنشاط مع بعض المعايير التي تحكم هذا التنظيم الذاتي:
— النجاح الديموغرافي البشري مقرونا بالعصر الصناعي: خطر.
هذان العاملان مجتمعين، وهما يزدادان نشاطا كل يوم، صارت لهما منذ وقت قريب آثار لا يستهان بها، ومقلقة أحيانا، على آليات التنظيم الذاتي للطبيعة، وهما ضالعان مباشرة في مصيرها (إطلاق كميات هائلة من CO2...).
— اقتصاد سوق تنافسي، ليبرالي ومنفلت: إنذار.
هذه الدينامية التجارية الجديدة، الممارَسة على النطاق العالمي، تعزز أكثر فأكثر العواقب السابقة المنافية أصلا لمصالح الأرض.
فمثل هذا النظام الليبرالي لاقتصاد السوق يفرز في الواقع أولويات ومنطقا للعمل بعيدا أحيانا كل البعد عن إدارة سليمة ومسؤولة للكوكب، وهو ما سيكون علينا، عاجلا أو آجلا، أن نقدّم عنه الحساب لأطفالنا.
ص. 256
هنا وهناك، نرى شيئا فشيئا مصفوفات ثقافية تترسخ عبر العالم — من النمط ما بعد الصناعي، مماثلة لمصفوفات أغنى البلدان الغربية — تتراكب ببطء على المصفوفات الثقافية المحلية.
النظرة الكوكبية، هذه العلامات الحاضرة سلفا
تميّز هذه المصفوفات الثقافية ما بعد الصناعية المتحركة (ومنها مصفوفاتنا) ملاحظتان رئيسيتان متزامنتان:
1) انخراط متزايد الوضوح للمعرفة ذات الأصل العلمي وللمهارات التكنولوجية في البيئة اليومية لكل فرد. (انخراط يعززه نقل الصور التلفزيونية، والحجم الكبير للتجارة العالمية، والرقم المتنامي لاستهلاك الأسر، والتسارع ذو الطبيعة الأسّية للمعرفة والمهارات المذكورة آنفا ذات الأصل العلمي والتقني)،
2) انفجار داخلي / تبدد شبه كلي للمكوّن الفني ولتأثيره في المصفوفة الثقافية المحلية. (ويعود ذلك إلى ظروف آنية أقل فأقل ملاءمة للإنتاج الفني، لم تعد تسمح بازدهار سوى أشكال الفن القابلة للاندراج في اقتصاد تجاري، مع إلزامية الربح، وذلك على حساب جميع أشكال الفن الأخرى التي كانت المصفوفة مع ذلك تنطوي عليها بالقوة).
عواقب هذه الثنائية «تضخم علمي/ ضمور فني»:
— على الصعيد العام: مجتمعات مبتورة من البعد الفني اليومي، على شفا اختلال خطير، عاجزة عن التفكير، باحثة عن مفهوم القيمة ومكثرة من لجان الأخلاقيات، حائرة أمام تميّع المعنى، باختصار وضع يرسي العناصر المواتية لأزمة فكرية عميقة وجذرية ودائمة.
— على الصعيد الفردي: معاصرون قصيرو النظر، عاجزون عن إدراك ذواتهم وعن أن يجدوا موطئ قدم في عصرهم، وعن التمييز بين التافه وما هو ص. 257 جاد، وبين الموضع الحقيقي لممارسة مسؤوليتهم والدوافع العميقة لخياراتهم الخاصة.
ملاحظة
وإدراكا لما سبق، فإن المسؤولية الجديدة للفنان المنتمي إلى المصفوفات الثقافية ما بعد الصناعية قد لا تقتصر بعد الآن على إنتاج أعمال محددة ومكتملة أو تقديمها للنظر، بمعنى التقليد الكبير للفن حين يظل ذلك ممكنا، بل قد تتمثل في أن يوعّي المؤسسة نفسها بنظرته، وأن يدخل إليها المكوّن النابع من الحساسية الفنية ومن أشكال الإدراك الخاصة المرتبطة بها.
وهكذا كان يمكن أن يصبح من المرغوب فيه ومن الملحّ تصوّر «مفهوم» نابع مباشرة من الحدس الفني، يكون قادرا على أن يصبح الرسول الفاعل لهذا الحدس في دائرة الوعي الفاعل للمؤسسة ولرؤساء الدول والسياسيين. وذلك لكي يُدمج المعيار الحدسي والحسي ذو الجوهر «الفني» هو الآخر، شأنه شأن المعايير ذات الطبيعة الاقتصادية أو الجيوسياسية أو العلمية أو العسكرية، في القرارات الكبرى للعصر.
مفهوم «Royalties/Jardin/Terre»: المبدأ
تكمن أصالة مفهوم «Royalties/Jardin/Terre»، الذي يرد وصفه أدناه، في اعتبار الأرض شخصا اعتباريا وفي أن تُوزَّع عليها، في صورة ضريبة عشر/حقوق مؤلف، العائدات المقابلة لاستخدام «الدرايات» التي تطوّرها منذ 4.5 مليار سنة، وذلك متى دخلت هذه الدرايات! — بصفة أو بأخرى — في عملية تجارية: اللجوء إلى مكامن المواد الأولية، واللجوء إلى الصيد، وإلى الإنزيمات، وإلى احتراق أكسجين الهواء، وإلى استخدام الهندسة الوراثية.
وعلى سبيل الإشارة، فإن ضريبة العشر «Royalties/Jardin/ Terre» هذه، المحسوبة على أساس 1/1000 من ص. 258 أرقام المبادلات العالمية للسلع وحدها (باستثناء الخدمات)، من شأنها أن توفر ميزانية سنوية تتجاوز 3 مليارات دولار.
ملاحظة: يوجّه آخر الخبراء الذين استُشيروا المفهوم حاليا نحو اقتطاع ضريبة عشر ضئيلة جدا، بمقادير أشبه بجرعات الطب المثلي، على جميع التدفقات النقدية، ضريبة قابلة للتعديل بحسب الحاجات المحددة، تتيح بلوغ مبالغ أعلى بكثير من المثال أعلاه، مع بقائها بلا أثر على التضخم العالمي.
ويمكن على هذا النحو تخصيص ميزانية تشغيل سنوية كهذه لإنشاء بنية عالمية أصيلة على صلة بجميع أشكال المعرفة المتاحة، يتمثل دورها صراحة في السهر على مستقبل مجموعة الأرض/البشرية وإدارته على نحو استشرافي، ثم في تحديد مشاريع على النطاق الكوني وتمويلها والإشراف عليها: وقف التصحر، صون الأنواع المهددة الحيوانية منها والنباتية، إدارة المياه الجوفية…
ملاحظة: يجدر بنا أن نشير هنا إلى أن مثل هذه المشاريع «الشاملة» تتجاوز قدرة المنظمات الحكومية أو غير الحكومية القائمة، كما تتجاوز قدرة الحكومات نفسها... حين يكون الأمر ملحّا.
بنية «R/J/T»: بنية أصيلة للتفكير العملياتي
بنية عالمية ينبغي إنشاؤها من العدم، تتمثل رسالتها الأولى في السهر على «تفاعل الأرض/البشرية»، وفي ضمان إدارة ملموسة واستشرافية له، من منظور شامل، على صلة بجميع أشكال المعرفة والذكاء والحساسية والكفاءات التي يولّدها الدماغ البشري.
وهذه البنية، المؤلفة من لجنة مزدوجة من الحكماء والخبراء الدوليين، من أصول ثقافية ودينية متنوعة، ينتمون إلى طيف واسع من التخصصات المتكاملة:
ص. 259
1) باللجوء على نطاق واسع إلى المنهج والمعرفة والدرايات ذات الأصول العلمية والتقنية، ستكون مهامها الرئيسية:
— التفكير والرصد،
— تحديد الإجراءات ذات الأولوية والعاجلة الواجب النظر فيها على المدى القصير والمتوسط والطويل،
— دراسة مشاريع محددة وكذلك الإجراءات التقنية والتكاليف المرتبطة بها.
2) باللجوء إلى مقاربة تشمل كامل حقول الوعي العقلانية والحدسية الفنية والدينية، ستكون مهمتها أيضا:
— تحديد طبيعة المشاريع الأشد إلحاحا الواجب تنفيذها،
— تحديد أماكن الكوكب التي تكون فيها لهذه المشاريع الأولوية،
3) باللجوء إلى اللوجستيات ذات الطابع الصناعي الخاصة بكفاءاتنا اليوم — ستكون مهام هذه البنية أخيرا:
— إطلاق الحوار مع الممثلين المحليين لوضع اللمسات الأخيرة على المشاريع وضمان تنفيذها على أكمل وجه والمشاركة فيه،
— تمويل المشاريع المعتمدة على هذا النحو وقيادتها وتحمل مسؤوليتها ومتابعتها حتى اكتمالها.
وبالموازاة مع إنجازاتها الملموسة، ستكون لبنية «R/J/T» أيضا مهمة توعية الجمهور العريض وإعلامه بصورة عامة، على النطاق العالمي.
وهكذا ستُدعى إلى:
— توزيع كتيّب سنوي على الجمهور العريض تُدوَّن فيه الأعمال الجارية ومدى تقدمها، إضافة إلى ملخص في صورة توصيات يحدد الخطوط العريضة والتأملات المنبثقة من أعمال السنة وإسهاماتها،
— تنظيم ندوات ومؤتمرات ومحاضرات لجمهور أكثر تخصصا حول أكثر الموضوعات إثارة للقلق،
— نشر — كما تُنشر برامج التلفزيون في الصحافة كلها عبر العالم — صفحة إعلامية فصلية مجانية في الصحف اليومية.
ص. 260
بنية «R/J/T»: مفهوم «الشفافية المطلقة»
ولكي تفلت بنية «R/J/T» من أي شكل من أشكال النقد إزاء الخيارات التي سيكون عليها بطبيعتها أن تتخذها في ممارسة مهامها، واتباعا في ذلك لنصيحة عدة منظمات دولية، جرى تصوّر بنية مبتكرة تستجيب لمفهوم «الشفافية المطلقة».
ذلك أنه منذ تصوّر بنية «R/J/T»، أريد أن يكون من الحقوق الأساسية أن يتمكن كل فرد — أيا كان مكانه وأيا كان هو — من الاطلاع على جميع الوثائق المتعلقة بالبنية، أيا كانت طبيعتها وأهميتها: نظامها الأساسي، وطريقة عملها، ومراسلاتها. وذلك في أي من مواقعها أو تطوراتها أو أنشطتها.
وعلى وجه الخصوص، ستكون الملفات التقنية التي تعدّها بنية «R/J/T»، والدراسات، والخلاصات، ومحاضر مجالس الإدارة، ووقائع الاجتماعات، بل حتى تسجيلات جميع الاجتماعات ذات الطابع التقريري، متاحة على نحو كامل وحر لكل من يرغب، بما في ذلك ملفات الخبرة التقنية. وهكذا يُستبعد أثر ضغوط اللوبي الدولي أو التدخلات السياسية، ويمكن تبديد الشكوك المحتملة والحتمية أمام القدرة المباشرة للرأي العام على أن يستعلم بنفسه.
وعلى صعيد التطبيق العملي لمفهوم «الشفافية المطلقة»، يمكن أن يكون بنك بيانات معلوماتي «R/J/T» — عبر التيليماتيك والشبكات الدولية — متاحا للاطلاع في الوقت الحقيقي وبالمجان انطلاقا من الجامعات الرئيسية. قبل توسيع الوصول إليه إلى أماكن أخرى إن رُئي في ذلك نفع.
وعلى الصعيد الجغرافي، ستتخذ بنية «R/J/T»، بغية الالتفاف على القانون الدولي وعلى حساسيات الدول، مقرها على متن قمر صناعي. أما فيما يخص اختيار الشخصيات التي ستشكل ص. 261 لجنة تسيير البنية المذكورة، فغني عن القول إن هؤلاء الأشخاص «الخبراء» سيكونون بالتناوب، وإنه ستُطبَّق قاعدة الخبرة المزدوجة «العمياء». ويلاحظ أن اختيار الخبراء، وإن كان يستوجب أشد العناية وأدقها، لا يطرح مع ذلك مشكلات كبرى أو مستعصية.
وبجمعها الآن، يمكن تلخيص الطموحات الرئيسية لبنية «R/J/T» على النحو التالي، وهي طموحات تتمثل في:
— اقتراح مفهوم كوكب الأرض/الشخص الاعتباري،
— واستنباط مبدأ غير مسبوق لتحصيل الأموال منه،
— إنشاء بنية عالمية أصيلة لا مثيل لها،
— استخدام المال المتأتي من عمل البشرية لغايات لا يسع كل فرد، أيا كانت ثقافته ودينه، إلا أن يشاركها،
— نيل ثقة الجماعة والحفاظ عليها من خلال مبدأ «الشفافية المطلقة» كما سبق وصفه؛
— التعريف بأهمية التفاعلية «الأرض/البشرية» منذ أصغر سن عبر الكتب المدرسية،
— إبقاء جميع البشر على اطلاع بذلك وجعل كل واحد منهم شيئا فشيئا مسؤولا عنه وضامنا له،
— اعتبار إدارة هذه التفاعلية أولوية مطلقة،
— مراعاة مجمل تعبيرات كفاءات الدماغ وجمعها للنهوض على أفضل وجه بهذه المسؤولية الجديدة،
— استخدام جميع أشكال المعرفة المتاحة، ولا سيما المعرفة ذات الأصل العلمي وقدراتها على القياس الكمي والتحليل،
— إدخال المكوّنات الحدسية الفنية والدينية في عمليات اتخاذ القرار،
— إرساء تآزر مبتكر واستشرافي للذكاء، «عابر للتخصصات وعابر للثقافات»،
— الاقتراب لأول مرة من إدارة للمعارف والدرايات والحساسيات تجمع كل ص. 262 الأفراد وتمهّد لأشكال مستقبلية من الإجماع الكوكبي
— الاستفادة من الاستقبال الحسن جدا من وسائل الإعلام وإشراك مسؤوليتها في نشر مفهوم «R/J/T» لدى الجمهور العريض،
— …/…
كلها إذن حجج تدعو إلى عدم التفريط في مثل هذا الاجتماع لفرص نادرة.
ملاحظة: إن الدماغ البشري، ثمرة 4.5 مليار سنة من التطور على كوكبنا ومن أكثر درايات هذا الكوكب تطورا، قد عرف خلال التطور كيف ينمّي دقائق ورهافات ومتطلبات لم تعد مصفوفاتنا الثقافية ما بعد الصناعية تستجيب لها إلا أقل فأقل.
وبهذا المعنى، لا ينبغي أن نستبعد أن هذا الدماغ قد لا «يقبل» طويلا بعد الآن أن يتحمّل العيش في بيئة ثقافية كهذه، شكّلتها سلسلة متتالية من الإخفاقات السياسية والمفاهيمية والروحية.
وفي هذا أيضا، يمكن النظر إلى مشروع «Royalties/Jardin/Terre» بوصفه بداية جواب لا ينبغي إغفالها.
خاتمة
إن مشروع «R/J/T»، وهو مشروع عابر للتخصصات وعابر للثقافات، يسدّ فراغا لم يكن يسمح حتى الآن، لا للمؤسسات القائمة ولا للحكومات، بالطموح إلى تحقيق أعمال ملموسة فعالة وطموحة تصبّ في اتجاه مصلحة شاملة.
إن مشروع «R/J/T» يسدّ هذا الفراغ ويجمع في تطابق واحد نظرة، ومتطلبا، وإلحاحا في الكفاءات، وفرصة، ووسائل.
وفي ردّ عادل وبثمن عادل، يعيد إلى الكوكب ما يعود إليه، ويستقطب أموالا ذات شأن، ويقدّم للإنسان بنية ليفكر ويسهر ويعمل، بكامل المسؤولية، على صيانة التفاعلية بين الأرض والبشرية وضبطها واستدامتها، وهي ميدانه.
ص. 263
حتى تاريخ كتابة هذا المقال، يواصل هذا المشروع أكثر من أي وقت مضى مساره داخل المؤسسة، وقد سبقت التوصية به، بإجماع الخبراء الحاضرين، خلال ندوة «Aspect Éthique et Juridique de la Sauvegarde des Espèces Vivantes» التي عُقدت في تريستي في يونيو 1991، في المعهد الدولي لدراسات حقوق الإنسان. وإذا كان بعضهم يعدّه ما يزال ضربا من اليوتوبيا، فإن آخرين، أشخاصا طبيعيين أو اعتباريين، يتبنونه ويدعمونه بوصفه مشروعا رائدا، مبتكرا وواقعيا. وبهذا المعنى، تدرس المؤسسة الشروط القانونية الدولية لإرسائه، وتتضح ملامح بنيته الملحقة به. وحتى اليوم، يظل أملي راسخا.
⁂
عند إعادة قراءتها، ما الذي يمكن أن أضيفه إلى هذه الصفحات مما أكون قد نسيت ذكره؟ ثلاث ملاحظات ربما:
— الأولى تودّ التذكير بأن الفنان ليس عرّافا، لكنه يولي بعض العلامات الحاضرة في البيئة — علامات يظل معاصروه صمّا عنها — أهمية خاصة، هذه العلامات نفسها التي تميّز العصر والتي تحمل أيضا بذور الغد، هذه العلامات التي يدمجها في أعماله وأفكاره،
— أما الملاحظة الثانية فتودّ أن تحاول التعبير عما تمثّله عبر التخصصية بحسب ما شعرت به منها وبحسب ما أعتقد أنني أعيشه. عبر التخصصية، أو بذورها على الأقل، قد تكون حالة الذهن تلك التي تتيح أن نرسم، وأن نجعل ملموسا، وأن ننقل — في أي أشكال أو أفكار أو مفاهيم أو مشاريع — ما يسمعه الوعي على نحو منتشر، حين تستدعي عملية الإدراك التي تغذيه القلب والعقل معا، ومن ثم مجمل الدائرة المفكرة،
— وأخيرا تلاحظ الملاحظة الثالثة أنه في مصفوفاتنا الثقافية، إذا كان من الصعب أن يكون المرء بريئا من شؤون العالم، فمن المستحيل أن يرى فيها بوضوح. وأنه بهذا المعنى، وأمام هذا التحدي الجديد للوجود، قد تمثّل عبر التخصصية «السبيل» بعينه الذي يتيح لكل فرد أن ص. 264 يجد موطئ قدم في تحديد هويته، وفي مسؤولياته، في زمن، إن كان بعضنا يعرف فيه أين يقع العاجل والمهم، لم يعد فيه أحد، فنانا كان أو مهرجا أو شاعرا أو لاهوتيا أو عالما أو سياسيا، يعرف أين يقع موضع الجوهري.
ملاحظة: والرسام، كنتم تسألونني، ما شأنه؟ لا قلق عليه، إنه يراقب ويعيش بحرص في انطواء خفيف على ذاته، من أجل أصدقائه وبعض الهواة أيضا. وما زال يغني بأصباغه اللحظة، محاولا أن يربط فيما بينها تلك الأشياء التي كانت قد تبدو متباعدة في حين أنها جميعا كانت تبذر بعضها في بعض… قليلا كجناح الفراشة الذي يرتعش هناك براءة وحياة، بينما هنا الفوضى. أنتم تعرفون الحكاية.
ومؤخرا، ألم يسرّ إلي، ولعل ذلك كان سره، بأنه مقتنع بأن ما بين الرسم وعبر التخصصية ليس سوى خطوة واحدة. لأنه، كما كان يقول لي، في اللحظات التي يرسم فيها الرسام بالذات «يعبر» ذهنه التخصصات إلى أقصى حد. وأنه عبر نشوات غريبة تتشكل الأشياء عندئذ وتخصب بعضها بعضا على نحو آخر ومختلف: … خيمياء العصبونات، تمازج الأنواع والتقنيات، والكلمات، والحواس. رقص، انجذاب، إلحاح، عبر التخصصية.
نصّ منقول عن الطبعة الأصلية (أرشيف جان مارك فيليب). © جان مارك فيليب / أصحاب الحقوق.